علي بن أحمد المهائمي

470

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

نوع كمال بالنسبة إذ يرجع بالجمعية إلى اللّه ، وبالهمة إلى قدرته وإرادته ، فليس ذلك أخص خصوصية إلى من لا يحتاج إليهما بل يكون له التسخير بمجرد الأمثلة ؛ لكمال تشبهه باللّه تعالى إذ يصدر منه كل شيء بمجرد أمره من غير جمعية ولا همة ، وإنما قلنا ذلك أي : اختصاصه بكون التسخير من مجرد أمره ، وإن لم يدل عليه النقل ؛ لأنّا نعرف أن أجرام العالم كالرياح ، والمياه ، والشياطين ، والدواب ، والطيور ، وقيد بها ؛ لأن الأرواح لا يتأثر بعضها عن بعض إلا باعتبار أجرامها تنفعل ، أي : تقبل الأثر لهمم النفوس إذا قمت في مقام الجمعية ، أي : بقيت فيها مدة لا تشتغل بغير ما يهمها ، فيتم عشقها معها الموجب لتأثيرها . وقد عاينا ذلك في أهل هذا الطريق إذ تيسر لهم هذه الجمعية دون غيرهم ؛ لتفرق هممهم لتعلقها بالأمور المتفرقة ، فلا يتم تأثير همتها فيها لاشتغالها بغيرها ، فلا يجتمع في ذلك الموضع اجتماع قوي المثل الموجب لقوته ، لكنه قصور في التشبيه باللّه الذي لا يشغله شأن عن شأن ، فكان التسخير من سليمان بمجرد التلفظ بالأمر ، كمعنى قول : كن القائم بذات الحق لمن أراد تسخيره من غير همة ولا جمعية ؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن ؛ لظهور الحق باسميه الرحمن الرحيم فيه . [ واعلم أيّدنا اللّه ، وإيّاك بروح منه أن مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد أيّ عبد كان ؛ فإنّه لا ينقصه ذلك من ملك آخرته ، ولا يحسب عليه ، مع كون سليمان عليه السّلام طلبه من ربّه تعالى ، فيقتضي ذوق الطّريق أن يكون قد عجّل له ما ادّخر لغيره ، ويحاسب به إذا أراده في الآخرة ، فقال اللّه له : هذا عَطاؤُنا [ ص : 39 ] ، ولم يقل لك : ولا لغيرك فَامْنُنْ [ ص : 39 ] ، أي : أعط ، أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] ، فعلمنا من ذوق الطّريق أنّ سؤاله ذلك كان عن أمر ربّه ، والطّلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان الطّالب له الأجر التّامّ على طلبه ، والباري تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب منه ، وإن شاء أمسك ، فإنّ العبد قد وفّى ما أوجب اللّه عليه من امتثال أمره فيما سأل ربّه فيه ؛ فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربّه له بذلك لحاسبه به ] . ثم استشعر سؤالا بأنه كيف يكون هذا التسخير أثر الاسمين المذكورين مع أنه مضر في الآخرة تنقص منزلته بما أوتي في الدنيا ؛ لقوله تعالى : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [ الأحقاف : 20 ] ، ويحاسب به عليه فرفع ذلك بقوله : ( واعلم أيدنا اللّه وإياك بروح منه ) فيه إشارة إلى أن من غلبت روحانيته لا تضر الأمور الدنيوية في آخرته أن مثل هذا العطاء ، وإن كان من شأنه الحساب ، ونقص الدرجة في الآخرة في حق القاصرين ، فهو من حيث هو عطاء إذا حصل للعبد ، أي : عبد كان ، أي : نبيّا كسليمان أو غيره ، فإنه لا ينقصه ذلك من ملك آخرته ، ولا يحسب عليه في جزائه حتى ينقص من جزائه بقدره ما لم